الكلمقالات

صنع في اليمن الحلقة الرابعة

للإتحاديين

صنع في اليمن

(4)

السيدة القائدة

صحيح أن مؤسس المقاومة كان هو “إبراهيم” لكن بعد 25 يوما من رفع راية المقاومة في “”البيت الصغير: وصلت والدته السيدة “فاطمة أبوراس” من “المحويت” في 18 جمادى الأخرة1367/20 ابريل1948م فوقفت الى جانب المقاومة وساندتها، وضخت في أعصابها قوة جديدة بفضل ما لشخصيتها وسمعتها من أثر وتأثير، وبفضل ما ربت عليه أولادها صلابة وصمودا وخشونة العيش رغم الجاه الوفير واعدتهم ليوم كانت بفراستها العميقة في انتظاره .

•كانت قد تأخرت بـ “المحويت” للإشراف على عملية الانتقال الى صنعاء عقب قيام الثورة الدستورية” عندما سافر ابناؤها وبناتها وزوجها إلى “صنعاء” على أن تلحق بهم مع أخيها النقيب “أمين ابوراس” بأيام، ولكن ريح الأيام جرت مسرعة بما لا تشتهي سفن الثورة فحطمتها فوق صخور قاسية، وانقلب الناس رأسا على عقب، وأحاط الغوغاء كالعادة بدار الحكومة يريديون النقيب “أمين” ليذهبوا به الى “حجة” قربي للإمام المنتصر، فما كان من هذه السيدة إلا جردت السيف، وفتحت الباب، ووقفت شامخة متحدية، وقالت: من يريد “أمين” فهذا الباب مفتوح، فلم يجرأ أحد، ورأى النقيب “أحمد حبيش” –من كبار نقباء “بكيل”- وكان قد تولى ادارة المدينة – أن دماً سيسيل إذا اقتحموا الدار، وأن “بنت ابوراس” لو أصيبت بأذى لكان عاراً عليه، ولغضبت عليه “بكيل” وحمّلته مسؤلية ماحدث، ولن يتحول عندئذ “دم ابنة ابوراس” إلى ماء، بل الى نهر من الدماء، هكذا خاطب الغوغاء وتمكن من اقناعهم بفك الحصار، كل ذلك وكانت السيدة الشجاعة ما تزال فاتحة باب البيت، شاهرة سيفها القاطع. وبهذه الوقفة الباسلة سلِم النقيب “أمين” من التسليم.

في16 من الشهر المذكور أمر الإمام “أحمد” بسفرها إلى “السر” وبأخيها إلى “الحوري”. ولكن الخال بحسب خطة رسمت بين اعضاء المقاومة لم يمتثل أمر الإمام، وذهب متسترا الى “برط” ليهيا للثورة كما شرحته باختصار في المقال السابق

لهذه السيدة اليمنية تاريخ حافل، ومجد أصيل، فقد تعلمت في شبابها ركوب الخيل حتى أتقنتها، وتعلمت الرماية حتى أجادتها، وتعلمت اللعب بالسيف حتى اتقنته. اختارت لنفسها طريقها، قررت الا تتزوج الا “بإمام صنعاء”، او “بأمير تعز” ورفضت الزواج من أسرتها، أو من غير أسرتها، وكان القدر يرسم لهما طريق اللقاء بدون تنسيق بينهما، وتقدم أبي يخطبها من عمها النقيب الكبير “حسن بن قاسم” فرفض النقيب بدعوى أنها مخطوبة لابن عمها النبيل الشاب “مرشد”، لكنها رفضت الزواج به، وقبلت الزواج بالأمير، فنزل عمها على رغبتها حزينا.

عندما أصبحت زوجة الأمير “علي بن عبد الله الوزير” غيرت حياة القصر المحتجب، وفتحت أبوابه للمستضعفات والشاكيات اللاتي كانت الظروف تحول بينهن وبين الشكوى المباشرة إلى الأمير، وكانت تعتبرهن ضيوفا عندها فينمن مع اولادها وبناتها الصغار في مكان واحد، بدون تفريق بين ابنة أمير، أو أبنة مواطن. وكانت تتركهن يكلمن زوجها، فيسمع شكايتهن وفي الصباح يطلب غريمهن فيقضي بينهما.

 ومن جهة أخرى كانت تحيط ضيوف زوجها الكبار برعاية خاصة، فينقلبون إلى أهليهم ببث كريم رعايتها، وما سمعوا عن أفعالها للفقير والمظلوم، والسائل والمحروم، فينتشر صيتها، وكان ممن أشاع ذكرها وحمد ضيافتها، وأعجبته أخبارها الإمام الشهيد “عبد الله بن أحمد الوزير”، والعلامة المجتهد “علي الشامي”، والعلامة “مطهر بن الإمام الهادي شرف الدين” وشيخ الإسلام” علي بن علي اليماني” والشاعر “محمد محمود الزبيري” وغيرهم من وجهاء “تعز” وكرام رجالها، فكانوا يخبرون أهاليهم عن أعمالها وكرمها وشعبيتها، وكان كل من قصد زيارة الأمير الى “تعز” رجع من عندهما موفورا بكرمهما.

إزاء هذه الأخبار الجميلة الصيت كانت النساء يتصورنها- إلى جانب خلقها العظيم- امرأة فائقة الحسن والجمال. أو امرأة مرفهة تلبس فاخر الحرير، وغالي الذهب، وثمين المجوهرات، وبين يدي ثلاثة نصون تتحدث عنها من أطراف متعارضة سياسيا، ولكنهم يلتقون حول عظمة “فاطمة بنت أبوراس”، وبرها بالفقير وشجاعتها؛ الأولى كتبته السيدة “تقية بنت الإمام يحيى” تصف وصولها “تعز” زوجة لأخي عبدالله، بعد ان فرق الدهر بين الأسرتين تماما. قالت: 

(في تعز–مقر العم “علي الوزير” وأسرته- رأيت جمعا من النساء والبنات قد خف لاستقبالي.. وما في ذهني غير ماسمعته عن زوجة العم  علي “ابنة أبوراس” .. كنت قد رسمت صورة في مخيلتي أنها إمرأة بارعة الجمال  كلها اناقة ونعومة وترتيب، وحين وقع بصري عليها وقفت مشدوه من المنظر الذي راعني، اني أرى امرأة سمرا…….عندها دار خلدي أن لهذه المرأة مكانة تعلو هيئتها، واسترجعت ما سمعته عنها: “فاطمة بنت النقيب عبده ابوراس” ذات العقل الراجح، والقلب العطوف على الفقراء والمساكين، الكريمة الشجاعة، رباعها عمها النقيب “حسن بن قائد ابوراس” كبير بكيل وزعيمها الأول.. هذا هو سر قوتها ومكانتها عند الأمير الكبير العم علي الوزير)  

والنص الثاني كتبته سيدة ثائرة معارضة، شجاعة الرأي، هي الأديبة اليمنية المعروفة “عزيزة عبد الله أبو لحوم” في موقع “يمن الغد”،  تحدثت فيه عما تركته مقابلتها لها فقالت: 

(عدت بي  إلى  اليوم  الذي التقيت فيه  بالسيدة الجليلة” فاطمة بنت ابو راس” رحمة الله عليها وعلى  جميع من رحلوا عنا، كان ذلك اللقاء في بداية عام 1963م بعد الثورة الخالدة ثورة 26 سبتمبر. كنت قد سمعت  من والدتي واخوتي الكثير عن “فاطمة بنت ابوراس” وكنت قد رسمت لها في خيالي صورة  امرأة  خيالية مثل صور النساء في الأساطير البطولية. لكنني وجدها غير التي رأيتها في خيالي. رأيتها أمرأة  شبه عادية مثلها مثل أي امرأة يمنية عربية عصرتها الأحداث الجسام. ووجدت  في عينيها بريق الذكاء المفرط، وفي حديثها الكثير من الحنكة  والبراعة في توجيه الأسئلة المختصرة..المهم  فيما أنا اتطلع في سحنتها، واسمع لهجتها  التي هي نفس لهجتي القبيلية. وكيف أنني  رسمت تصورتها وثيابها  مثل أولئك النسوة نساء الأشراف المرتديات الحرير والديباج ويرفلن بالحلي الذهبية والخدم والحشم يسيرون ورائهنَّ…مع أننا لم نلتق كثيرا إنما كم من الذكريات الجميلة مع العمة “فاطمة بنت ابوراس” وكم تحملت تلك المرأة العظيمة، وكم صبرت وتعبت، ونجحت في تربية رجال الرجال).

هذه الصورة التي رسمتها لها سيدتان تقفان سياسيا على طرفي نقيض، وجدها الفيلسوف الكبير “مالك بن نبي” -وقد تجاوزت الستين عاما- وقارا مشعاً، عندما زارها في “القاهرة” فكتب بخط يده تحت عنوان “إمرأة في غمار ثورة” عندما بلغه ارتحالها إلى الله، فقال:

(إنني لا أعرفها، ولا أعرف ملامح وجهها، لأنني يوم زرتها في بيتها بـ “القاهرة”، حيث كان ابناءها من اللاجئين اليمنيين في عهد الإمام “أحمد” وكنت أنا لاجئا إثناء “الثورة الجزائرية”، لم أر أمامي إلا طيفاً يشع وقاراُ، ويفرض غض الطرف…إن القصة من هنا تبدأ كملحمة بطلتها هذه الأم، التي تحتضن أطفالها “عباس” و “ابراهيم” و “قاسم” و “زيد” [و”محمد”].. فتحتضنهم كأم يحمل قلبها كل حنان الأمومة، وكقائد يقودهم في خطوة جديدة جادة نحو المحاولة الثانية للثورة اليمانية، ولنا نبسط القضية على قدر الكلمات البسيطة التي نعبر عنها، بينما يجب أن نتصورها في جوهرها، في شدة تصميم هذا القائد وسط فتور المجتمع وإرهاب السلطة، أنني أتذكر إعجابي بهذه الأم- أو بهذا القائد- عندما كان ابنها “إبراهيم” ونحن نتذاكر في شوؤن “الثورة اليمانية” بـ “القاهرة” يقص القصة بتفاصيلها؛ كتفاصيل الخطة الدقيقة التي وضعتها مثلا يوم قررت تخليص أبنائها من “سجن صنعاء” والخروج بهم الى العشائر، لإننا في هذا الظرف الخطير لا نتصور أماً، بل نتصور قائداً مصمماً على انجاز مهمة خطيرة كل التصميم، وأي خطورة نتصور في هذا الظرف حيث نرى أماً فقدت زوجها في محاولة ثورة فشلت منذ حين، تفك قيود أبنائها في السجن ببسالة نادرة تستحق كل الإعجاب، لعله الوفاء للزوج الذي ضحّى بنفسه من أجل تخليص الشعب اليمني من الطغيان والجهل والبطالة، ولكن العبرة في علو الهمة، وسمو الخلق، اللذين يجعلان هذه الأم تقود أبنائها بلا أي تردد إلى مذبح المبادئ المقدسة، والوطن العزيز، لتقدمهم فداء لأغلى القيم. هل هذه تفاصيل تصور ملحمة أم؟، أو قائد مستميت في انجاز مهمته مهما كان الثمن؟ لا أدري يوم فارقت روحها هذه الدنيا للإلتحاق بالرفيق الأعلى، هل بكى أبناءها الأم الحنون التي انحنت على طفولتهم المعذبة بعد أن فقدوا والدهم؟ أم بكوا القائد الذي طالما قاد برأيه السديد خطواتهم على الطريق الصعب؛ طريق الواجب, ولا أراهم بدورهم ينسون نصيحتها الأخيرة لهم وهي تلفظ انفاسها الأخيرة: أن لا تتفرقوا أبنائي)

وأؤكد أننا كأبنائها و كاتحاديين ايضا لم ولن ننس نصيحتها، ولم ولن ننس تعاليمها، وأننا على دربها سائرون، وتحت رايتها ماضون، وان “اتحاد القوى الشعبية” ليفتخر بقيادتها طيلة 22 عاما، وبنفس التأكيد أقول أنها بجناحيها القويين ظلت تحلق فوق القمم العالية طيلة 75ه عاما من النضال، دون أن يكل الجناح، أو تضعف القوادم أوتنؤ الخوافي ، حتى وافاها اليقين عام 1390ه/ 1970م و “للاتحاديين” أن يفتخروا لا لأن حزبهم كان أول حزب يمني أسس على الوضوح، بل لأنه أيضا كان أول حزب قادته سيدة تشع وقاراً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى